تشريع بيع الماريجوانا يثير جدلا بكندا

تشريع بيع الماريجوانا يثير جدلا بكندا

الماريجوانا نشوة ممنوعة وقطاع مرغوب فيه إقتصادياً

فكرة تقنين زراعة واستغلال الكيف لأغراض طبية وصناعية ، قد طرحت على المستوى العالمي كبديل واقعي للاتجار غير المشروع في هذه النبتة و مشتقاتها ، بعد ثبوت عدم جدوى الحرب عليها .

يدور في كندا منذ بضع سنوات جدل حول تشريع استهلاك الماريجوانا، ليس لأغراض طبية فقط، إنما لأغراض ترفيهية أيضا. وازداد هذا الجدل في أعقاب وصول الحزب الليبيرالي إلى السلطة في كندا والذي كان تشريع الماريجوانا في صميم حملته الانتخابية.

لم يغير الحزب موقفه بعد تسلمه السلطة لا بل أعلن عن عزمه على تقديم مشروع قانون أمام مجلس العموم الكندي الربيع المقبل لتشريع استهلاك الماريجوانا لأعراض طبية وترفيهية.

فما هي حيثيات هذا الملف وما غاياته وما مقاصده ؟ وما تأثيراته السلبية على المجتمع ؟

إعداد: سعد الصفار

ما هي الماريجوانا؟

الماريجوانا هي أحد أنواع المخدرات له أسماء متعددة تختلف من بلد لآخر منها: القنّب والحشيش والبانجو والكيف والشاراس والجنزفورى والغانجا والحقبك والتكرورى والبهانك والدوامسك وغيرها من الأسماء.

المكوّن الأساسي أو المسبب الرئيسي للسكر في الماريجوانا هو مادة التترا هيدرو كنابينول (THC).  وهي مدمّرة إذا تم تدخينها بواسطة أنبوب أو ماسورة أو تم إضافتها إلى السيجارة.

يمكن أن يؤدّي إستخدام الماريجوانا إلى الادمان، فيصبح المتعاطي عاجزًا عن السيطرة على تطلبّه للماريجوانا. وتؤثّر الماريجوانا سلبًا في علاقاته العائليّة وأدائه المدرسيّ وأنشطته الترفيهيّة. قد يواجه المستخدمون أعراض الإنسحاب عندما يتوقفّون عن تعاطيها. أما بالنسبة للمستخدمين العاديين فقد يطوّر جسمهم تعوّدًا على المخدّر ولذلك تزداد حاجتهم إليه ليشعروا بالتأثير نفسه.

نقاط من الواجب أخذها بعين الاعتبار قبل تقنين تعاطي الماريجوانا

في الشهر الماضي قامت مجموعة العمل المكلفة بدراسة تشريع الماريجوانا برفع تقريرها الى الحكومة ، حيث من المرتقب ان يعكف النواب الفدراليون المعنيون على دراسته منتصف هذا الشهر أي كانون الاول الجاري.

فريق العمل خرج بسلسلة من التوصيات الى حكومة “جوستان ترودو” التي وعدت بطرح مشروع قانون حول الموضوع للتصويت على  البرلمان في ربيع 2017 كما هو مقرر.

تضمن هذا التقرير 88 توصية ومقترح كان من اهمها ، ضرورة تحديد سن الرشد لشراء الماريجوانا. وتقترح المجموعة عمر 18 سنة غير انها منفتحة على احتمال تغيير العمر الى 19 سنة وفقاً لقانون بعض المقاطعات. من جهتها، اقترحت الجمعية الطبية الكندية جعل الحد الادنى للعمر 21 عاماً.

 كما تم اقتراح وضع قيود على الاعلانات بحيث تكون مشابهة لتلك المفروضة على منتجي التبغ خاصة في ما يتعلق بالاعلان عن المنتج. هذا ولم يتم اقتراح اي سعر ثابت للماريجوانا لكن فريق العمل يدعو الحكومة الى ضمان المنافسة لمواجهة السوق السوداء.

واشارالتقرير أيضاً الى انه يجب تكييف السعر وفقاً لقوة المنتج مما يشكل وسيلة للحد من شراء المنتجات القوية.

وللحد من استهلاك الشباب الماريجوانا والاسراف في تعاطيها، اقترح فريق العمل على حكومات المقاطعات القيام بحملات توعية وتثقيف حول المخاطر المرتبطة بهذه المنتجات.

تطرق التقرير أيضا الى اقتراح  تقاسم  ايرادات بيع الماريجوانا مناصفة بين الحكومة الفدرالية والمقاطعات والاقاليم. ووفقاً لفريق العمل، ستكون المقاطعات والاقاليم بالتعاون مع البلديات هي المسؤولة عن عمليات التوزيع. كما رأت المجموعة الى أنه ينبغي انشاء مراكز التوزيع على مسافات مناسبة من المدارس والحدائق العامة.

هذا وتجدر الاشارة الى ان توصيات مجموعة العمل حول تشريع الماريجوانا التي رُفعت للحكومة غير مُلزمة وسيكون الخيار متاحاً لها لاتباعها او تجاهلها.

راي الخبراء و المتخصصون في هذا المجال

الخبراء القانونين و الاطباء المتخصصون الماليين اجمعوا على ان هناك عدة نقاط رئيسسة يجب ان تأخذها الحكومة بعين الإعتبار عند تشريع القانون وهي :

-1 السن القانوني للسماح باستخدام الماريجوانا:

تُطرح علامة الاستفهام حول السن القانوني الذي ستسمح به الحكومة الفدرالية لاستخدام الماريجوانا فهل هو 18 عاماً، 21 عاماً او 25 عاماً مع العلم ان السماح باستهلاك تلك المادة في سن مبكرة قد يشكل خطراً على الصحة في حين ان المبالغة في رفع السن القانوني  قد يدفع بفئة من الاشخاص الى السوق السوداء.

هذا وترى الجمعية الطبية الكندية انه من الافضل السماح باستخدام حشيشة الكيف اعتباراً من 21 عاماً لحماية الدماغ الذي يتطور وينمو حتى بلوغ سن 25 عاماً وفي السياق ذاته اختارت الجمعية الكندية لطب الاطفال الاعتماد على النموذج المتبع في مجال الكحول والتبغ حيث يُنصح بالسماح باستخدام تلك المنتجات اعتباراً من 18 عاماً أو 19 عاماً وفقاً للمقاطعة.

واتفقت الجمعيتان على ضرورة الحد من مادة THC والمعروفة باسم رباعي هيدروكانابينول وهو العامل الناشط في تركيبة القنب خصوصاً بالنسبة للاشخاص الذين لم يتخطوا 25 عاماً.

-2 النموذج المعتمد للتوزيع

تعهد رئيس الوزراء الكندي “جوستان ترودو” بالعمل مع حكومات المقاطعات الكندية حول مسألة توزيع وبيع حشيشة الكيف لأغراض ترفيهية ومن غير الواضح حتى الساعة ما اذا كان رئيس الوزراء سيصر على اعتماد نموذج محدد أو انه سيترك حرية العمل لحكومات المقاطعات لتطوير نماذج خاصة بها.

من حهتها اعربت رئيسة الوزراء في مقاطعة اونتاريو “كاثلين وين” عن انفتاحها لفكرة امكانية بيع الماريجوانا في فروع المؤسسة الحكومية لبيع الكحول والمشروبات الروحية، من جهة اخرى فإن الحكومة في كيبيك لا تبدو على عجلة من امرها لمعالجة مسألة تشريع القنب. كما ابدت ايضاً جمعية الصيادلة في كندا اهتماماً للعب دور في توزيع هذه المادة المخدرة.

-3 زراعة الماريجوانا في المنزل

اصدرت المحكمة العليا قراراً يسمح لمستهلكي الماريجوانا لدواع علاجية بزراعة هذه النبتة في منازلهم فهل سيتم السماح للمستهلكين العاديين الذين يرغبون باستخدام حشيشة الكيف لأغراض ترفيهية بزراعتها؟

في هذا السياق اعتمد النائب الليبرالي “بيل بلير”، المسؤول عن هذا الملف في حكومة ترودو، الحذر في تصريحاته عندما قال إن هذه المادة تشكل مخاطر على الكنديين وليس بالامكان مقارنتها بالطماطم على سبيل المثال.

-4 توزيع الارباح

افادت دراسة اعدتها شركة Deloitte ان السوق الترفيهية لحشيشة الكيف تمثل 22 مليار دولار في كندا ويأمل منتجو القنب المخصص لمعالجة المرضى بالحصول على الاولوية والبعض بدأ يتموضع على الخطوط الامامية للاستفادة من تشريع الماريجوانا.

على غرار الجدل الذي دار في الولايات المتحدة وكندا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين حول منع أو السماح باستهلاك الكحول وتصنيعها واستيرادها وبيعها، يدور في كندا منذ بضع سنوات جدل حول تشريع استهلاك الماريجوانا، ليس لأغراض طبية فقط، إنما لأغراض ترفيهية أيضا. وازداد الجدل هذا منذ تشرين الثاني – نوفمبر الماضي في أعقاب وصول الحزب الليبيرالي إلى السلطة في كندا والذي كان تشريع الماريجوانا في صميم حملته الانتخابية. ولم يغير الحزب موقفه بعد تسلمه السلطة لا بل أعلن بلسان وزيرة الصحة الفيديرالية جين فيلبوت عزمه على تقديم مشروع قانون أمام مجلس العموم الكندي الربيع المقبل، لتشريع استهلاك الماريجوانا.

 وتُطرح علامة استفهام حول ما اذا كانت الحكومة ستستفيد من خلال زيادة العوائد في صناديقها ووفقاً للمدير البرلماني للموازنة “جان دونيس فريشيت” فإن صلاحية اوتاوا لفرض الضرائب ستكون محدودة للتنافس بقوة مع السوق السوداء.

من جهة اخرى اشارت رئيسة مجموعة العمل حول تشريع الماريجوانا الى ان الحكومة الفدرالية سوف تتكبد نفقات باهظة خلال السنوات الاولى التي تعقب تشريع الماريجوانا لتسديد ثمن حملات التوعية والوقاية.

-5 تاريخ التشريع

بحال طرحت اوتاوا مشروع قانون تشريع الماريجوانا في ربيع العام 2017 فإن حكومة ترودو قد تنتظر عدة اشهر قبل المضي قدماً في اعتماده والسيناريو الاكثر ترجيحاً يقضي بتشريع الماريجوانا مطلع العام 2018 بحسب المدير البرلماني للموازنة الذي استشار الجهات المعنية بهذا الملف.

ماهو هدف الحكومة:

الهدف المعلن للحكومة هو الحؤول دون وقوعها في أيدي الأطفال، ووقوع أرباحها في أيدي عصابات الجريمة المنظمة.

لكن الهدف المبطن بدون شك هو استفادة الحكومة من المردود الضريبي لمليارات الدولارات سنويا.  وذلك عبر فرض ضرائب على بيع هذه المادة وإنتاجها.

ومن المتوقع أن تتفاوت عائدات الضرائب الناتجة عن عمليات بيع القنب في عام 2018 بين 418 و618 مليون دولار.

ما موقف الكنديين من هذا الملف؟

يحظى تشريع المارجوانا بتأييد ثلثي الكنديين بحسب استطلاع للرأي أجرته عدة مؤسسات متخصصة ، لكن أربعين بالمئة من المؤيدين يخشون أن يصبح الحصول عليها سهلا جدا ويطالبون بالتالي بتأطيرها بقوانين وأنظمة متشددة، ويرى آخرون أن الحكومات الكندية تأخرت كثيرا في تشريعها .

لكن هذا الاندفاع يلقى تحذيرا من الأوساط الطبية كما تقول  كيري وات من وزارة الصحة في بريتيش كولومبيا:“إن الاستعمال المبكر للماريجوانا يؤثر سلبا على تطور الدماغ” وتضيف أنه  يجب ألا يسمح ببيعها لمن هم دون التاسعة عشرة من العمر.

الماريجوانا خطر داهم على سلامة الطرقات

أظهرت المعلومات الواردة في وثائق سرية حصلت عليها وكالة الصحافة الكندية أنّ حقوقيين حذّروا وزارة العدل الفدرالية في كانون الثاني الماضي، من الخطر الذي قد يحمله تشريع الماريجوانا الى الطرقات والسلامة العامة.

وتشير الأرقام الواردة في الوثائق الى أن عدد الوفيات الناجمة عن حوادث سير وقعت تحت تأثير المخدر في ولاية كولورادو، ارتفع في السنة التي تلت تشريع استخدام الماريجوانا فيها، بنسبة 32٪. من جهته، دعا السكرتير البرلماني في وزارة العدل “بيل بلاير” الى نشر المزيد من الوعي بين الكنديين وتأمين الوسائل الضرورية للشرطة كي تستطيع مراقبة التصرفات غير السوية على الطرقات.

تشريع الماريجوانا والمعضلة الضريبية

كشف تقرير للمدير البرلماني للميزانية نُشر في اوتاوا، أن تشريع الماريجوانا لن يحمل الى المالية العامة حلاً سحرياً على المدى القصير. ولا شك ان نيّة الحكومة الفدرالية التقدّم في الربيع المقبل، بمشروعها القانوني المتعلق بتشريع الماريجوانا غير العلاجية وبتنظيم زراعتها، توزيعها، بيعها واستهلاكها، ستخلق قطاعاً جديداً لم يكن موجوداً في الاقتصاد المحلي.

إلا ان التقرير اشار الى أنه لن يكون للحكومات سوى هامش تحرّك صغير من اجل تطبيق رسوم معقولة من دون رفع ثمن الحشيشة الشرعية الى مستوى يفوق الى حد كبير متسويات أسعارها في السوق السوداء.

ومع فرض ضريبة المبيعات فقط، فإن الاسعار المقدرة للحشيش الشرعي في سنة 2018 سترتفع لتوازي ما كانت عليه أسعارها في السوق السوداء في عام 2015-2016 (8,84 دولار للغرام الواحد).

ومن المتوقع أن تصل إيرادات الضرائب من الماريجوانا التي يمكن أن طرحها للبيع في وقت مبكر من كانون الثاني 2018، إلى مئات الملايين من الدولارات في السنوات الأولى، من دون أن تتخطى عتبة المليارات.

آضف أن 60٪ من عائدات البيع ستذهب الى المقاطعات، في حين سيحوّل ما نسبته 40 ٪ الى الخزنات الفدرالية. ويقدر التقرير أن يرتفع عدد مستخدمي القنب الكندي الذين تزيد أعمارهم عن 15 عاماً الى أكثر من 500,000 شخص في السنوات الثلاثة الأول بعد التشريع. ويقدّر السوق بنحو 5,2 مليون مستهلك اعتباراً من سنة 2021.

مخاطر رفع الحظر

اعتبر مدير معهد سياسة المخدرات بجامعة فلوريدا بأن تقنين الماريجوانا في امريكا وكندا سيؤدي إلى إنشاء تجارة تبغ كبيرة وصناعة جديدة تعتمد على الإدمان من أجل الربح.

وأضاف كيفن سابت (وهو مسؤول سابق بالبيت الأبيض) بأن تقنين بيع الماريجوانا سيؤدي حتماً لزيادة عدد متعاطي هذه المادة المخدرة، وبذلك ستكون العواقب سيئة.

ودافع مدير معهد سياسة المخدرات عن بقاء قانون حظر بيع الماريجوانا قائماً، وقال إن زيادة الطلب على المواد المخدرة ستزيد إلى مستويات قياسية حال جعلها قانونية، وبذلك سيرتكب الناس الجرائم للحصول على المال لشراء الحشيشة.

ماذا يُتوقع من المراهقين عندما يرون آباءهم يسعون إلى تشريع تدخين الماريجوانا؟

أصدرت «الجمعية الأمريكية لعلم النفس» في مؤتمرها السنوي  بيانًا تُصرِّح فيه بأن استخدام المراهقين والشباب المنتظم للماريجوانا بمعدل مرة واحدة أسبوعيًّا له آثار سلبية قوية على أمخاخهم التي لم يكتمل نضجها بعدُ؛ حيث إنها تؤدي إلى حدوث تدهور معرفي، وتدهور في الذاكرة والتركيز، وانخفاض معدل الذكاء؛ فعادة ما يبدأ استخدام الماريجوانا مع أواخر سن المراهقة في سن اﻟ 16 أو 17، ويصل أَوجَه في سن العشرين، ثم يقل بين سن الثالثة والعشرين والخامسة والعشرين، وهو نفس العمر الذي يتوقف عنده نمو المخ.

وأشار العلماء إلى أن استخدام الماريجوانا بين المراهقين في ازدياد؛ ففي إحدى الدراسات، التي جرت عام 2012، أورد 6.5% من طلاب المرحلة الثانوية أنهم يدخنون الماريجوانا بصفة يومية، بعد أن كانت نسبة الطلاب المدخنين للماريجوانا 2.4% عام 1993. وأظهرت دراسات تصوير المخ أن مدخني الماريجوانا بصفة منتظمة يصابون بتغيرات كبيرة في تركيب المخ، ولا سيما عند المراهقين؛ إذ يحدث خلل في المادة الرمادية المسئولة عن الذكاء بين المراهقين في المرحلة العمرية ما بين سن 16 و19.

فالقوانين التي تدعو لعدم تجريم استخدام الماريجوانا، وإباحة استخدامها قانونيًّا؛ جعلت الشباب والمراهقين يظنون  أن تدخين الماريجوانا ليس خطرًا بدرجة كبيرة؛ إذ لو كانت ضارة بدرجة كبيرة ما كان آباؤهم قد سعوا لتأييد استخدامها.

إن تشريع أو تقنين الماريجوانا ستكون له إنعكاسات خطيرة على صحة الشباب الجسمية والعقلية، وعلى وضع الأسرة اجتماعيًا واقتصاديًا، وتدل على ذلك ارتفاع نسب العنف في المؤسسات التعليمية، وارتفاع شغب الملاعب، وتسارع وتيرة تفكك الأسرة، وارتفاع ظاهرة العنف ضد الأصول، وارتفاع حوادث السير، وحوادث القتل التي سجلت هذا العام في مدينة تورنتو اعلى نسبة منذ ثماني سنوات وتزايد معاناة الأسرة التي يوجد فيها مدمنين.

يتوجب على جميع الاباء و الأمهات الذين يعتقدون بوجوب عدم السماح باستخدام الماريجوانا لااغراض غير طبية مخاطبة ممثليهم في البرلمان الفدرالي وبرلمان المقاطعة للوقوف ضد هذا القانون .